الشنقيطي

431

أضواء البيان

منه ، فمن السنة التي هي شارحة الكتاب ، فإن عسر فمن الحكم والأمثال . ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم ، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله : * ( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) * . وأخذ قوم مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها ، وغير ذلك ( علم الفرائض ) واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث ، والربع والسدس والثمن ( حساب الفرائض ) ، ومسائل العول . واستخرجوا منه أحكام الوصايا . ونظر قوم إلى ما فيه الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار ، والشمس والقمر ومنازله ، والنجوم والبروج ، وغير ذلك فاستخرجوا ( علم المواقيت ) . ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم ، وحسن السياق والمبادىء ، والمقاطيع والمخالص والتلوين في الخطاب ، والإطناب والإيجاز ، وغير ذلك . فاستنبطوا منه ( علم المعاني والبيان والبديع ) . ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة . فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق ، جعلوا لها أعلاماً اصطلحوا عليها ، مثل الغناء والبقاء ، والحضور والخوف والهيبة ، والأنس والوحشة ، والقبض والبسط ، وما أشبه ذلك . هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه . وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل ، مثل : الطب والجدل والهيئة ، والهندسة والجبر ، والمقابلة والنجامة ، وغير ذلك . أما الطب فمداره على حفظ نظام الصحة ، واستحكام القوة . وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعاً للكيفيات المتضادة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله : * ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ) * . وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله : * ( شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) * . ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب ، وشفاء الصدور . وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السماوات والأرض ، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات .